بين اليوم والأمس، ساهم التطور التكنلوجي المتسارع والانفتاح في وسائل التواصل الاجتماعي وسهولة الإطلاع المعرفي في وضع المربي أمام تحديات متزايدة وفي دوّامة من النظريات والكتيبات والوصفات الجاهزة التي تَعِدُه بـ "الطفل المثالي" ربما !
وفي خضم هذا الزخم المعرفي المتدفق، يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه على كل باحث عن طوق نجاة لأبناءه: هل نملك حقاً مرجعية نستند إليها في علم التربية؟ أم أننا ننساق وراء نماذج قد لا تشبهنا؟
سابقاً كانت المدخلات في عملية التربية أقل من عصرنا الحالي ، لكن الحقبة المنقضية لم تخلُ أيضاً من تحديات في تأمين متطلبات الحياة ومحدودية في الأدوات التي تسهل حياة الناس اليوم
والحكمة تقتضي أن نطور أدواتنا لتتماشى مع التحديات الجديدة لا أن نغمض أعيننا عنها وأن نغرس أقدامنا بإصرار على قاعدة راسخة نتعلم فيها ونتوسع في البحث والقراءة والاستشارة في أساليب التربية
التربية بين جمود الموروث ومرونة التكيّف
توصف العملية التربوية بأنها متراكبة، تتداخل فيها مؤثرات يصعب حصرها، ولا تخضع لمعادلة السبب والنتيجة، ولو نجحنا في إيجاز أهم المؤثرات في عملية التربية (من الموروث الجيني وطبائع الآباء، البيئة الأسرية، المدرسة والأصحاب، البيئة المجتمعية المحيطة، إلى الفضاء الرقمي المفتوح ) فربما لن ننجح في تحديد أي منها كان سبباً مباشراً أو فاعلاً في حصول مخرج بذاته بعد سن البلوغ.
ومن الناحية العلمية، يصعب عزل عامل واحد (مثل الصدمات أو المدخلات في مرحلة الطفولة) للحكم على أثره المطلق، لأن حياة الإنسان تتداخل فيها عوامل متعددة كما ذكرنا، مما يفسر تباين ردود الأفعال بين الأخوة الذين نشأوا في نفس البيت ومرّوا بذات الظروف
يشير خبراء النفس والتربية إلى أن العوامل الجينية تلعب دوراً كبيراً جداً في تشكيل الملامح والقدرات والمزاج والطباع الشخصية للإنسان حتى قبل التعرض لخبرات الحياة المستقلة، لكن تصوير الطفولة أو الجينات على أنها قالب حتمي وجامد يُساق إليه الإنسان رغماً عنه هو تصوير خاطئ؛ بل يجب النظر إليها كـ "نقطة انطلاق" وليست "نقطة انتهاء". هناك مساحة واسعة من الحرية، والتعقيد، والقدرة على الاختيار لدى الإنسان الراشد لتعديل مسار حياته، والنفس البشرية تتمتع بمرونة عالية وقدرة مذهلة على التكيف والتغلب على آثار الماضي.
من ناحية أخرى فإن تجارب الطفولة المبكرة وعلاقة الطفل بالرموز الأساسية في حياته (كالوالدين) تشكل عوامل معدّلة مهمة تعيد تشكيل شخصية الطفل في مساره حتى البلوغ وتنعكس على علاقاته المستقبلية، وهنا تتمثل أدوارنا في الاشتغال بما يمكن أن يغيّر في أبنائنا إيجاباً
هل يصلح النموذج الغربي كمرجع لنا ؟
مما هو معلوم في طب الأطفال أننا نعتمد بدرجة كبيرة على الأبحاث العلمية والمراجع الطبية التي تأتينا من الغرب في دراسة وعلاج الحالات المرضية "العضوية" التي لن تتباين كثيراً باختلاف المرجعيات الثقافية والدينية بين الشعوب والسبب في ذلك أن "البيولوجيا الإنسانية" واحدة؛ فقلب الطفل العربي ينبض بذات الطريقة التي ينبض بها قلب الطفل الغربي، والأدوية تعمل بذات الآلية الحيوية.
لكن علم التربية ليس علماً بيولوجياً بحتاً، بل هو علم نفسيّ، اجتماعي، وقيمي. وهنا تكمن الإشكالية، فالغرب لا يصلح أن يكون مرجعنا الأول في التربية. فالتربية الغربية الحديثة تفتقر إلى عوامل الوحي والارتباط بالخالق، وتكامل الفرد مع أسرته ومجتمعه، وبناء الشخصية المسؤولة أمام الله .
بين هذا وذاك !
وما يفاقم من صعوبة مهمّة التربية على الوالدين، ازدياد المنشغلين بعلم التربية بصورة أضخم من حقيقة اختصاصهم أو ارتكازهم على مراجع علمية أو تخصصية في هذا المجال، وبسبب انفتاح وسائل التواصل صار باستطاعة أي شخص أن يتصدر للحديث في فنون التربية وأساليبها حتى لو كانت استعراضاً لتجربته الشخصية في تربية طفل أو أكثر، والتي لم تصل بعد إلى مرحلة الحصاد حتى يُحكم على نجاحها
ولا يخفى عليكم استخدام أسلوب النقد اللاذع أحياناً ليصوّر لك مدى "التخبيص" الذي لدى المستمع "وفشل" في تربية الأبناء وما ستؤول إليه من نتائج كارثية مقارنة بتميزه هو في صياغة أنموذج فريد لم يسبق أن تكلم أحد به قبله ! هذا بحسب تصويرهم
همسة في أذنك
لذلك وبعد ما سبق من محاولة لتجريد الصورة من ما لحق بها من شوائب، آخذ بيدك لخطوات عملية متفق عليها مهما اختلفت الأزمان والتحديات
1- التربية عملية مستمرة تبدأ من إعداد المربي أولاً ولا تنتهي ، بل يستمر الأب أو الأم بالتعلم من تجربتهم ومن تجربة غيرهم وبتقييم وتصويب كل وسيلة ونتيجة استخدموها مع أبنائهم، فإياك أن تمل من المحاولة، ولا تستمع لمن يحاول إيهامك بأنك لا تصلح ! فأنتما والدان جيدان ابتداءً لمجرد أنكما تحاولان ممارسة تربية سوية، تراجعان الأخطاء وتصححونها
2- التربية بالقدوة (الأنموذج الحي): وهي أقوى المدخلات التربوية على الإطلاق في أي عصر. صلاح الآباء واستقامتهم الأخلاقية والدينية هي المرجعية الصامتة التي تنطبع في نفوس الأبناء
3- الرحمة الحازمة (العدل والرفق): وهي التوازن بين الحب غير المشروط والاحتواء النفسي، وبين وضع الحدود الأخلاقية والسلوكية الصارمة التي لا مجاملة فيها. أمسك العصا من المنتصف دائماً
4- ترسيخ الهوية والغاية الوجودية: إن الإجابة عن الأسئلة الكبرى (من أنا؟ ولماذا خُلقت؟ وإلى أين المصير؟) تمنح الطفل والمراهق مرساة نفسية تحميه من التيه والاضطراب أمام عواصف الحياة المتغيرة. ولا تظن أن طرحها على الطفل سيكون أكبر من قدرته على استيعابها، ازرعها بذرة صغيرة في تربة خاوية واصطبر عليها أعواماً لتحصدها شجراً شامخاً وثمارا
5- بناء الحصانة الداخلية لا الحماية الخارجية: في عصر الفضاء المفتوح، لا يمكننا حجب الأبناء عن العالم، ولكن يمكننا تمكينهم من امتلاك أدوات التمييز والاختيار بين الخير والشر الإنصاف غير المنحاز والضمير الحي والوعي الناقد في نفوسهم، علمهم ذلك في كل موقف وحوار تشارك أنت فيه ليتشربوه منذ غضاضة قلوبهم
6- التربية ليست استنساخاً لتجارب الآخرين، بل هي غرس للثوابت في بيئة متغيرة، وليست مهمتك أن تجعل من أبنائك امتداداً لذاتك أو استنساخاً لشخصيتك أو استكمالاً لما لم تستطع أنت صياغته في نفسك، هذا الاعتراف سيريح عقلك الحائر ويساعدك
عليك أن تعينهم على أن يكونوا عارفين بالحق نافعين لأمتهم وفي مواقع عملهم ومستقرين نفسياً واجتماعياً في دنياهم
7- لا تبالغ بالقلق ! اعلم أن أطفالك سيمرون بتجارب سلبية كالغضب والفشل والحزن والإحباط والقلق والملل ، حينها عليك أن تعلمهم أن هذه المشاعر هي جزء من حياتنا وأن تساعدهم ليكتسبوا منها المرونة في مواجهة مصاعب الحياة الحقيقية التي سيلاقيها الواحد منهم منفرداً حين يكبر، ولا تحاول أن ترسم لهم مساراً ناصع البياض نقياً من شوائب الحياة
8- تعلم أن تقول لا كما تقول نعم، وأن تعاقب كما تكافئ، بالقدر الذي يربي ويعظ ولا يؤذي جسداً ولا نفساً ، وأن تحتمل لحظات إزعاجهم كما تسعد بلحظات جمالهم
9- لزام عليك أن تقضي وقتاً في اللعب والحوار مع أبنائك كل يوم، ولا يعفيك عمل أو انشغال أو ظرف آخر من التفريط في وقت أبنائك
10- اسأل الله العون وأنت تضرب بعصاك البحر، وأحسن التوكل عليه وأنت تسير بين شقيّ الماء، وأكثر من الدعاء لأولادك
إن المخرجات التربوية ليست حكماً مؤبداً؛ بل يمكن للإنسان بعد مرحلة الطفولة، بالوعي، والإيمان، والإرادة أن يُبطل التأثيرات السلبية لصياغة نماذج جديدة فما يصلح مع طفل هادئ بطبعه، قد يفشل تماماً مع شقيقه ذي الشخصية القيادية أو العنيدة، والأسلوب الحازم الذي يصنع رجلاً في بيئة معينة، قد يكسر نفساً في بيئة أخرى، وفوق ذلك كله، فإن مقاييس الدين، والأخلاق، والأعراف، وحتى مفاهيم "الزمان والمكان" تختلف وتتباين بين الأشخاص والمجتمعات. فما يعده مجتمعٌ ما "انفتاحاً وثقة"، قد يراه مجتمعنا "انفلاتاً وتجاوزاً"، وما كان مقبولاً في زمن أجدادنا قد يحتاج إلى تطوير في زمن الثورة الرقمية.
د.حسن عليان
استشاري طب الأطفال